ابن تيمية

67

مجموعة الفتاوى

تُكْرَى ؛ بَلْ هَذَا غَالِبٌ عَلَى أَمْوَالِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ . وَنَعْلَمُ أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ يُعَمِّرُونَ أَرْضَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَلَا غَالِبُهُمْ وَنَعْلَمُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ قَدْ لَا تَتَيَسَّرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ ؛ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى عَامِلٍ أَمِينٍ وَمَا كُلُّ أَحَدٍ يَرْضَى بِالْمُسَاقَاةِ وَلَا كُلُّ مَنْ أَخَذَ الْأَرْضَ يَرْضَى بِالْمُشَارَكَةِ . فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا قَدْ كَانُوا يَكْرُونَ الْأَرْضَ السَّوْدَاءَ ذَاتَ الشَّجَرِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاحْتِيَالَ بِالتَّبَرُّعِ أَمْرٌ نَادِرٌ لَمْ يَكُنْ السَّلَفُ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَفْعَلُونَهُ . فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَالِ أسيد بْنِ الحضير وَكَمَا يَفْعَلُهُ غَالِبُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ وَإِلَى الْيَوْمِ . فَإِذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ حَرَّمُوا هَذِهِ الْإِجَارَةَ وَلَا أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِحِيلَةِ التَّبَرُّعِ - مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِفِعْلِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ - عُلِمَ قَطْعاً أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَفْعَلُونَهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . فَيَكُونُ فِعْلُهَا كَانَ إجْمَاعاً مِنْهُمْ . وَلَعَلَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ وَالْمُزَارَعَةِ عَلَيْهَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ السَّوْدَاءِ وَلَا فِي الْمُسَاقَاةِ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ لَيْسَ فِيهَا طَائِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْفَعَةِ الشَّجَرِ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ حَرْبٌ الكرماني : سُئِلَ أَحْمَد عَنْ تَفْسِيرِ